محمد بن أحمد الفرغاني

40

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

تحت ملابس قدمك أن ترزقني شكر ما أنعمت عليّ حيث غيّبت أغياري كما كشفت لي من مطالعة وجهك الكريم ، وحرمت على غيري ما أبحت لي من النظر في مكنونات سرّك ، وهؤلاء عبادك اجتمعوا لقتلي تقرّبا إليك وتعصّبا لدينك ، فاغفر لهم ، فإنك لو كشفت لهم ما كشفت لي ما فعلوا ، ولو سترت عني ما سترت عنهم لما ابتليت به ، ولك الحمد دائما . ثم أنشد : اقتلوني يا ثقاتي إلى آخره ، ثم فعل به ما فعل . وقوله : لم أله ، أي : لم أشتغل عنه . يقول : إذا كان سيري في سرّ الإلهيّة عند تحقّقي بها وانصباغي بحكم وحدتها لم أغب في عين تلك الحالة عن حكم صورتي وخلقيّتي وإجراء الأحكام الشرعيّة وأوامرها ونواهيها المتعلّقة بهذه الصورة العنصريّة ، والعقل المدبّر لأمورها عليّ بحسبها وحكمها ، ولم أشتغل عنها ، بل أقوم بحقوقها من أداء صورة الصلاة ، وصورة الزكاة ، وصورة الصوم ، وصورة أركان الحجّ ، وإذا كان اشتغالي بعالم الناسوتية والتلبّس بأحكام الطبيعة وبمباشرة استيفاء الحظوظ النفسيّة المباحة في الشرع لم أنس مظهر حكمة تلك الأمور واللذّات ، ولم أغب عن الحضور معه وعن شهودي إياه ، والإشارة إلى هذا ما ورد أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كان في اللحاف مع عائشة رضوان اللّه عليها ، وجبريل عليه السلام يأتيه بالوحي حتى إنه كان يقول : « يا حميراء هذا جبريل يسلم عليك » « 1 » . فعنّي ، على النّفس ، العقود تحكّمت ومنّي على الحسّ ، الحدود أقيمت يعني : أن عقود العهود من عهد أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ [ الأعراف : الآية 172 ] فما فوقه من المواثيق التي كان العاقد والمعقود معه لم يكن إلّا أنا ، وقد تجاوزت عني تلك العقود وظهرت من حضراتي الباطنة ووصلت إلى النفس وتحكّمت فيها ، ومضمون تلك العقود أن لا ترجعوا عن حكم الوحدة التي هي منشأ وجودكم ، وعن العدالة التي هي مقتضى برزخية حقيقتي وحقائقكم وأعيانكم إلى أحكام الكثرة والانحرافات التي هي موجب بعدكم مني وقربكم من شيطانكم ، كما أخبر عن ذلك الكتاب العزيز في قوله تعالى : أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 60 ) [ يس : الآية 60 ] ، وكذلك حدود أحكام الشرع من الأمر المظهر حكم الوحدة والعدالة في عين كثرة صور تنوّعات الفعل والقول

--> ( 1 ) هذا الحديث لم أجده بلفظه فيما لديّ من مصادر ومراجع .